والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبي إذا شاء الله أن ينساه.
ثبت أن النبي e نسي بعض الآيات التي رفعت من
الصدور تماماً، وليس من صدر النبي e فقط بل من عموم أمة محمد، كما
ورد في صحيح مسلم بسند حسن عن حذيفة قال (إن سورة الأحزاب كانت في طولها مثل
البقرة!) فنسخت من الصدور، وبقي منها هذا القدر، وأيضاً قد ينسى النسيان المعتاد،
كما قال صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، وقال: (يرحم الله
فلاناً! لقد أذكرني آية كيت وكيت من سورة كيت وكيت، كنت أنسيتها).
· قال ابن عاشور (إلا ما شاء الله) وذلك
نوعان:
أحدهما: وهو أظهرهما أن الله إذا شاء نسخ تلاوة
بعض ما أنزل على النبي e أمره بأن يترك قراءَته فأمر النبي e
المسلمين بأن لا يقرأوه حتى ينساه النبي e والمسلمون.
وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال (كان
فيما أنزل الشيخُ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) قال عمر: ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ
مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: أَنْ لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ
أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، أَوْ إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ
آبَائِكُمْ- البخاري
وهذا
ما أشير إليه بقوله تعالى (أو ننسها) في قراءة من قرأ: (نُنْسِها) في سورة البقرة.
النوع
الثاني: ما يعرض نسيانه للنبي e نسياناً موقتاً كشأن عوارض الحافظة البشرية
ثم يقيض الله له ما يذكره به.
ففي
"صحيح البخاري عن عائشة قالت: (سمع النبي e رجلاً
يقرأ من الليل بالمسجد فقال: يرحمه الله لقد أذكَرَنِي كذا وكذا آيةً أسقطتهن أو
كنت أنسيتُها من سورة كذا وكذا، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية في
قراءته في الصلاة فسأله أبَيّ بن كعب أُنسِخَتْ؟ فقال: "نسيتُها".
·
قال الشيخ الشنقيطى: قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ) الآية.
هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي e
ينسى من القرآن ما شاء الله أن ينساه - وقد جاءت آيات كثيرة تدل على حفظ القرآن من
الضياع كقوله تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) وقوله ( إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
والجواب: أن القرآن وإن كان محفوظا من الضياع فإن
بعضه ينسخ بعضاً وإنساء الله نبيه بعض القرآن في حكم النسخ فإذا أنساه آية فكأنه
نسخها ولا بد أن يأتي بخير منها أو مثلها.
كما
صرّح به تعالى في قوله (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ
مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).
وقوله ﭨ ﭽوَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُﭼ النحل: ١٠١
وأشار هنا لعلمه بحكمة النسخ بقوله (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى).
وهذا الذي ذكره الشنقيطي وأن معنى (إلا
ما شاء الله) المراد به نسيان منسوخ التلاوة والحكم دون غيره، ذهب إليه الحسن
وقتادة ومقاتل ورجحه الطبري، وقال به السمرقندي، والسمعاني، والزمخشري، وأبي
السعود.
قال
الطبري: والقول الذي هو أولى بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلا أن
نشاء نحن أن ننسيكه بنسخه ورفعه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء في
الآية حقيقي، وأن النسيان الذي أفاده الاستثناء هو الذي يعقبه التذكر، لا النسيان
التام الذي هو محو الشيء من الذهن بالكلية.
ويكون معنى الآية: سنقرئك فلا تنسى
إلا ما شاء الله أن تنساه، ثم يذكرك به بعد، إما بنفسك وإما بغيرك، وعلى هذا القول
يدخل في متعلق النسيان بعض القرآن المحكم.
وبهذا
قال: الزجاج، والقاسمي، وذكره الرازي، والبيضاوي، والقرطبي، والشوكاني وغيرهم.
واستدل
هؤلاء: بما رواه الشيخان عن عائشة قالت (سمع
رسول الله e رجلاً يقرأ في سورة بالليل فقال: يرحمه الله،
لقد أذكرني كذا وكذا آية، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا).
وبما
رواه الشيخان -أيضاً- عن عبد الله أن النبي e قال (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون).
(إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) أي: هو تعالى عالم بما يجهر به العباد وما يخوفونه من الأقوال، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
كما ﭧ ﭨ ﭽإِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَﭼ الأنبياء: ١١٠
وكقوله ﭨ ﭽوَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَﭼ النحل: ١٩
%2029-11.png)
No comments:
Post a Comment